English

المدونة

الحد من التهديدات المناخية الخفية للتلوث الضوئي

بقلم مريام باتريشيا لوبيز يانيز، مدير إدارة الإنارة في شركة البحر الأحمر للتطوير

نعيش جميعاً في بيئات غارقة بالإضاءة المفرطة طوال الوقت، حيث تنبعث مصادر الضوء الاصطناعية من منازلنا وأماكن عملنا والمصابيح وأجهزة الحاسب المحمول والمصابيح المحمولة والهواتف الخاصة بنا. ويتسبب التوهج الخفي لهذه الأضواء بتهديدات غير ملحوظة للحياة البرية والنظام البيئي وصحة الإنسان. وتتعامل "شركة البحر الأحمر للتطوير" مع هذه المسألة بمنتهى الجدية، لذا يعمل فريقنا على مدار الساعة بهدف ضمان تطبيق وجهتنا الممتدة على مساحة 28 ألف كم مربع لاستراتيجية إضاءة توفر الحماية للبيئة بأي ثمن. وفي الواقع، نسعى لتحويل هذه الوجهة إلى أكبر محمية للسماء المظلمة في العالم، الأمر الذي من شأنه أن يتيح للزوار فرصة تأمل المناظر الخلابة لسماء الليل المرصعة بالنجوم.

الآثار السلبية على التنوع الحيوي
للتلوث الضوئي أشكال عدّة وقد تكون خفية في بعض الأحيان، ولهذا السبب لا تحظى هذه الظاهرة بحجم الاهتمام العالمي الذي تستحق. وبالرغم من ذلك، يمكن أن تُلحظ آثارها الضارة بسهولة في مختلف بقاع العالم. ويجسّد "مشروع البحر الأحمر" موطناً لبعض أنواع الحياة البحرية الفريدة والكائنات البرية المهددة بالانقراض، لذلك نحن ندرك تماماً أن التنوع الحيوي للمنطقة يشكّل جانباً أساسياً من صورتها كوجهة مميزة وفريدة. 

وبطبيعة الحال، تتأثر العديد من الحيوانات مثل الطيور والسلاحف والحشرات بالفترة الضوئية، أي أن استجاباتها السلوكية تتغير وفقاً لدورات الضوء والظلام اليومية أو الموسمية أو السنوية. ويؤثر هذا الأمر على جميع السلوكيات التي تمارسها هذه الحيوانات، من التكاثر وصولاً إلى تناول الطعام والراحة. لذلك، يمكن لكمية الأضواء الاصطناعية التي تقتحم موائلها الطبيعية أن تغيّر دوراتها الطبيعية بصورة ضارة.

وعلى سبيل المثال، تعتمد السلاحف البحرية، مثل السلحفاة صقرية المنقار المهددة بالانقراض التي تستوطن وجهتنا، اعتماداً كبيراً على الضوء الطبيعي في تحديد مواعيد التكاثر والحركة وتناول الطعام. وعندما تفقس البيوض خلال الليل، تسترشد صغار السلاحف بضوء القمر للوصول إلى الماء. ولسوء الحظ، تتوهج العديد من شواطئ العالم بأضواء LED الساطعة التي تنبعث من المقاهي والمطاعم والحانات الشاطئية، لينتهي المطاف بتلك السلاحف الصغيرة على جانب الطريق بدلاً من الوصول إلى مياه المحيط.

التأثير السلبي على البشر
يؤدي التوهج الاصطناعي لأضواء LED إلى سحابة من الوهج الضوئي في سماء المناطق الحضرية والمدن أيضاً، حيث تسعى المناطق المأهولة لتوفير الإضاءة على الدوام. ونتيجة لذلك، تغيب نجوم السماء الساطعة وقمرها المنير عن نظر الناس الذين سيعجزون عن رؤية الجمال الحقيقي لسماء الليل. وعلاوة على ذلك، واجه علماء الفلك مؤخراً مشاكل عدة على صعيد أنشطة قراءة ومشاهدة التكوينات الفلكية في الفضاء بسبب الحاجة الدائمة للضوء على الأرض. وتنطوي هذه المسألة على أهمية بالغة بالنسبة للمملكة العربية السعودية وإرثها الممتد على مدار قرون، فقد اعتمد البدو والحجاج على سماء الليل لإنارة دروبهم عبر الصحراء، ولهذا السبب نود أن نضمن لضيوفنا والأجيال القادمة فرصة خوض هذه التجربة الفريدة أيضاً. ومن خلال إتاحة رحلات ونزهات مشاهدة النجوم خلال فترات الليل، نود منح الزوار تجربة ما عاد الوصول إليها سهلاً، وهي تأمل الجمال النقي لسماء الليل الصافية.



الخطوات التي تتخذها "شركة البحر الأحمر للتطوير" للحفاظ على السماء المظلمة
تدرك شركة البحر الأحمر للتطوير أهمية احتضان التدفق الطبيعي لضوء الشمس والقمر من أجل حماية نظامنا البيئي وتراثنا العريق. ومن خلال حصولنا على اعتماد السماء المظلمة وبالتعاون مع "كندال"، شركة الاستشارات متعددة التخصصات، وضعنا استراتيجية إضاءة مبتكرة من شأنها توفير مصادر إضاءة مستدامة كافية لضمان التنقل الآمن في جميع أنحاء الموقع، وتلبيتها أيضاً لأكثر المعايير الدولية صرامة في مجال السماء المظلمة.

ويتعين على جميع الشركاء، من العلامات التجارية الفندقية وصولاً إلى شركاء الإنشاء والتشييد، الامتثال إلى مبادئ السماء المظلمة الخاصة بنا، وهي مجموعة من الإرشادات الصارمة التي وضعت لضمان حماية السماء والبيئة الطبيعية لأي أذية خلال مرحلة إنشاء المشروع وعند بدء العمليات التشغيلية واستقبال الضيوف. فعلى سبيل المثال، يجب أن تكون جميع الأضواء الموجودة على المباني وفي المسارات والطرق موجهة نحو الأسفل بحيث لا يمكن للضوء النفاذ نحو السماء، كما ستكون جميع الأضواء المستخدمة في الوجهة ذات تدرجات دافئة باعتبار أن الأضواء البيضاء أو الزرقاء أو أضواء LED تعتبر أشد تأثيراً على السماء.

وستخضع الأضواء للتحكم بواسطة أنظمة التحكم الذكية  التي تستخدمها "شركة البحر الأحمر للتطوير"؛ حيث سيتم توصيل كل ضوء خارجي بمؤقت زمني جغرافي يسمح للضوء بالتغير بحسب الفصول وارتفاع الشمس. ويهدف هذا الأمر في المقام الأول إلى حماية البيئة بكل تأكيد، لكننا نود أيضاً أن يختبر ضيوفنا أجواء وتجارب خاصة تبيّن جمال هذه الوجهة خلال أوقات الليل.

ولتعزيز هذه الخطوة، تتعاون "شركة البحر الأحمر للتطوير" بشكل وثيق مع "الجمعية الدولية للسماء المظلمة" (IDA)، وهي منظمة غير ربحية تمنح شهادات الاعتماد للمدن التي تمتثل لمبادئ السماء المظلمة، على توعية وتثقيف المدن والمجتمعات المجاورة للوجهة بشأن التلوث الضوئي على أمل أن تسعى للحصول على اعتماد السماء المظلمة في المستقبل.

دحض المفاهيم الخاطئة
لا يمكن اعتبار مسألة حماية البيئة الليلية في مشروع البحر الأحمر والمنطقة المحيطة مهمة بسيطة بأي شكل من الأشكال، لكنها تنطوي على أهمية قصوى. وقد يكون من الصعب قياس أو إدراك الآثار الكارثية التي تخلفها ظاهرة التلوث الضوئي، ولكن هذا لا يعني أبداً أن نشيح بأنظارنا بعيداً عنها؛ إذ يتعين علينا أن نثقف بعضنا وأن نعمل ونتعلم من المتخصصين وأن نضمن بذلنا لقصارى الجهود في سبيل حماية جمال سمائنا لأجيال قادمة.