English

المدونة

كيف تروي المملكة العربية السعودية عطشها للماء!

 بقلم دايفيد ماكينا، مدير إدارة أداء الاستدامة في شركة البحر الأحمر للتطوير

يوافق يوم 22 من شهر مارس الحالي اليوم العالمي للمياه، إذ يُعد هذا اليوم بمثابة مناسبة يتم الاحتفال بها بشكلٍ سنوي بدعمٍ من منظمة الأمم المتحدة، حيث يسلط الضوء على أهمية توفر المياه العذبة للجميع.

يحظى اليوم العالمي للمياه بأهمية كبيرة لدينا لأننا جزء من المملكة العربية السعودية، ولأن المملكة تُعد إحدى أكثر المناطق جفافاً على مستوى العالم. ففي الماضي، أي منذ حوالي 2000 عام، تعلم الناس كيفية التأقلم والعيش في ظل موارد المياه المحدودة الناتجة أنذاك عن هطول الأمطار بشكلٍ متوسط، بيد أن هذا الوضع لم يختلف كثيرا في الوقت الحاضر حيث أصبح متوسط هطول الأمطار في منطقتنا سنوياً ما يعادل (100 ملم) بالمقارنة مع متوسط هطول الأمطار في المملكة المتحدة الذي يصل إلى (1,320 ملم في السنة).

ويمكن الاستدلال بمجموعة من الأمثلة التي توضح السبل المتبعة للتأقلم مع الموارد المحدودة من المياه، ومنها منتزه الغاط الوطني الواقع خارج مدينة الرياض، إذ قام المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر بإبراز أهمية التقنيات القديمة المستخدمة لإدارة المياه والتي برهنت على الاستغلال الذكي للمياه وإعادة استغلالها  إذ تُعد موروثاً مهماً في تراث المملكة. وخلال زيارتنا إلى المنتزه مؤخراً، تعرفنا على مجموعة واسعة من "أنظمة الحصاد" التجريبية لمياه الأمطار وهي عبارة عن عملية جمع وتخزين وتوزيع مياه الأمطار لإجراء تجارب بالتوازي مع مراقبة التربة والغطاء النباتي وفحصهما بشكلٍ مستمر. 

صورة تم التقاطها في مدينة الرياض في أثناء زيارتنا إلى منتزه الغاط الوطني توضح التقنيات القديمة لإدارة المياه لغرض الزراعة

 

رؤية المملكة 2030 والتصدي لمشكلة المياه

طرحت المملكة العربية السعودية بالتعاون مع وزارة البيئة والمياه والزراعة "الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030" التي تهدف إلى مواجهة جميع التحديات المائية وإجراء الدراسات ذات الصلة وتحسين قطاع المياه ومياه الصرف الصحي لضمان التنمية المستدامة والاستفادة من موارد المياه في المملكة، علماً بأنه يتم الاعتماد بشكلٍ كبير في الوقت الراهن على محطات تحلية مياه البحر لسد الطلب على المياه في المملكة وتلبية الاحتياجات البلدية والصناعية للمياه.

تعتمد عملية تحلية المياه المالحة على الطاقة بشكلٍ كبير بالمقارنة مع معالجة المياه بالطرق التقليدية، إلا أنه وبالرغم من ذلك فمن المتوقع أن يكون لهذه العملية دوراً محورياً في تلبية احتياجات المملكة المستقبلية للمياه. 

وتماشياً مع رؤية المملكة 2030، فإن المملكة بصدد إعادة النظر في مسألة استخدام المياه والتعلم من الخبرات السابقة وأفضل الممارسات العالمية في هذا المجال وتطبيقها اليوم على أرض الواقع، حيث شرعت في دراسة وتنفيذ البرامج المعنية بإعادة تدوير واستخدام المياه كاستراتيجيات بديلة لحفظ المياه، فعلى سبيل المثال،  توفر المنطقة الجبلية الواقعة في جنوب غرب البلاد ما نسبته 10% من المياه الجوفية على مستوى المملكة. وذلك إلى جانب ما تبذله الدولة من جهودٍ حثيثة من أجل رفع كفاءة وفعالية عمليات تحلية مياه البحر، هذا بالإضافة إلى الحد من الطلب على المياه من القطاع الزراعي (حيث يتم استخدام 84% من إجمالي المياه في المملكة لقطاع الزراعة والحفاظ على المساحات الخضراء)، ولذلك حظرت المملكة زراعة المحاصيل الزراعية التي تستهلك كميات كبيرة من المياه بالإضافة إلى تنفيذ الخطط المتعلقة بالاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج الغذاء من الدول الأخرى. 

ومن ضمن المبادرات الحكومية الأخرى إطلاق البرنامج الوطني لترشيد استهلاك المياه (قَطرة) في المملكة الذي يهدف إلى خفض الاستهلاك اليومي للمياه في المملكة من (263 لتراً) إلى (150 لتراً) بحلول عام 2030. إذ يسعى هذا البرنامج الطَموح إلى معالجة مسألة الاستخدام المفرط للمياه وإهدارها بشكلٍ مباشر، ويتضمن التعهد بعدم الإفراط باستخدام المياه من خلال التوقيع هنا

تعهد وجهةالبحر الأحمر وأمالا - جهودنا المبذولة للحفاظ على المياه

تعمل فرق العمل في كلٍ من وجهتي البحر الأحمر وأمالا على تحقيق أهداف طموحة تستهدف إيجاد التوزان المناسب بين خفض الطلب على المياه والحلول الفعّالة لتحلية المياه والتي تعمل بالطاقة المتجددة، إلى جانب تطبيق تصاميم المساحات الطبيعية والخضراء تتسم بالفعالية للحد من الطلب على مياه الري لدينا. وفقاً لاستراتيجياتنا ذات الصلة باعتماد الاستدامة، فإننا نفي بالمتطلبات الأساسية (LEEDv4) والتي تشير إلى الريادة في تصاميم الطاقة والبيئة، كما نسعى إلى تحقيق خفض بنسبة (20%) على الأقل عن المستويات الأساسية للمباني التقليدية.

علاوةً على ما سبق، فإننا سنحقق الاستفادة القصوى من استخدام المياه المُعاد تدويرها في محطات معالجة مياه الصرف الصحي، حيث سيتم استخدام هذه المياه في الري أيضاً. كما أننا نجري تجارب على مستوى الموقع للتعرف على مواصفات التربة المتعددة من أجل هندسة المساحات والمناظر الطبيعية ونعمل على تطوير منطقة الزراعة مما سيضمن كفاءة المياه واحتفاظ التربة بالرطوبة بالإضافة إلى دراسة واختبار أنظمة الري الأكثر ذكاءً. 

  

صورة ملتقطة من وجهة البحر الأحمر، تحتوي الصورة الأخيرة على المحتوى الأمثل للمواد العضوية بالمقابل تحتوي الصورة الأولى على مزيج عادي "رملي" من التربة ( كلاهما خاضع لنفس ظروف الزراعة والري) 

ومن الجدير ذكره أننا حالياً بصدد إجراء تجربة لإنتاج الغذاء في الموقع من خلال استخدام المياه المالحة في عملية الري، على سبيل المثال: (تجربة شركة مزارع البحر الأحمر). كما أننا وقعنا مؤخراً مذكرة تفاهم مع شركة "إثمار" ومؤسسة "غروس"  لدعم المزارعين المحليين والمنظومة الزراعية التشاركية في المنطقة في إنتاج الغذاء لصالح منتجعاتنا، وتشمل أيضاً تبادل المعرفة وتقديم التمويل للاستعانة بأذكى تقنيات الري. والأهم من هذا وذاك، هو أننا سنضمن توفير أنظمة قياس أكثر ذكاءً لتنبيهنا بمجرد وصول استهلاك المياه لدينا إلى مستوياتٍ عالية، إذ تُعدّ هذه الأدوات بمنتهى الكفاءة لمقاييس التقارير والمراقبة بشكلٍ مستمر. 

إن اليوم العالمي للمياه يمثل فرصة لتسليط الضوء على القضايا الحقيقية التي تواجه كوكب الأرض وتعزيز الوعي بأهمية توافر المياه وبواجبنا تجاه الحفاظ على هذه المياه من أجل الأجيال القادمة. وإطلاع أصحاب المصلحة على ما تعلمناه من دروس وما حققناه من إنجازات هو أفضل نهج لدعم إجراء التغييرات الإيجابية للتغلب على التحديات المائية التي يواجهها العالم اليوم.